فحوصات التوحد وصعوبات التعلم دليل شامل للتشخيص والتقييم المبكر

يلاحظ بعض الآباء تأخر طفلهم في الكلام، أو ضعف تواصله مع الآخرين، أو مواجهته صعوبة مستمرة في القراءة والكتابة والحساب. عند ظهور هذه العلامات يبدأ البحث عن فحوصات التوحد وصعوبات التعلم للتأكد من حالة الطفل ومعرفة نوع الدعم الذي يحتاج إليه

لكن يجب معرفة أنه لا يوجد تحليل دم أو أشعة واحدة تستطيع تشخيص التوحد أو صعوبات التعلم. يعتمد التشخيص الصحيح على مجموعة متكاملة من التقييمات الطبية والنمائية والنفسية والتعليمية، يقوم بها فريق من المتخصصين وفقًا لعمر الطفل والأعراض الظاهرة عليه

ما الفرق بين التوحد وصعوبات التعلم؟

اضطراب طيف التوحد هو اضطراب نمائي عصبي يؤثر بدرجات متفاوتة في التواصل الاجتماعي والتفاعل مع الآخرين، وقد يصاحبه تكرار بعض السلوكيات أو وجود اهتمامات محددة والحاجة إلى الالتزام بروتين معين. وتختلف الأعراض والقدرات بصورة كبيرة من طفل إلى آخر

أما صعوبات التعلم فهي مشكلات تؤثر في قدرة الطفل على اكتساب مهارات أكاديمية محددة، مثل القراءة أو الكتابة أو الحساب، رغم حصوله على فرص تعليم مناسبة. وقد يكون الطفل المصاب بصعوبات التعلم طبيعي الذكاء أو يمتلك قدرات مرتفعة في مجالات أخرى

تشمل الأنواع الأكثر شيوعًا لصعوبات التعلم

عسر القراءة، الذي يؤثر في دقة القراءة وفهم الكلمات

عسر الكتابة، الذي يؤثر في الخط والإملاء والتعبير الكتابي

عسر الحساب، الذي يؤثر في فهم الأرقام والعمليات الرياضية

التوحد وصعوبات التعلم حالتان مختلفتان، لكنهما قد تجتمعان لدى الطفل نفسه. لذلك لا يكفي تقييم جانب واحد فقط، بل يجب فحص التواصل واللغة والسلوك والقدرات المعرفية والمستوى الدراسي

لماذا يعتبر الفحص المبكر مهمًا؟

يساعد الكشف المبكر على تحديد نقاط القوة لدى الطفل والجوانب التي تحتاج إلى تدخل. كما يسمح ببدء برامج تنمية اللغة والتواصل والمهارات الاجتماعية أو تقديم الدعم الأكاديمي قبل أن تتفاقم المشكلات

يمكن أحيانًا ملاحظة مؤشرات التوحد في عمر 18 شهرًا أو أقل، وقد يصبح التشخيص الذي يجريه متخصص متمرس موثوقًا بداية من عمر عامين لدى كثير من الأطفال. ومع ذلك، لا يحصل بعض الأشخاص على التشخيص إلا في مرحلة متأخرة من الطفولة أو خلال المراهقة والبلوغ. مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها

لا يعني الفحص المبكر وضع تصنيف سريع للطفل، بل يهدف إلى فهم احتياجاته وتقديم المساندة المناسبة له في الوقت الصحيح

علامات تستدعي إجراء فحوصات التوحد

قد يوصي الطبيب بإجراء تقييم متخصص عند ظهور بعض العلامات، ومنها

عدم الاستجابة للاسم بصورة منتظمة

ضعف التواصل البصري أو قلة الاهتمام بالآخرين

تأخر الكلام أو فقدان كلمات كان الطفل يستخدمها سابقًا

صعوبة استخدام الإشارات، مثل الإشارة إلى الأشياء أو التلويح باليد

تكرار بعض الحركات، مثل رفرفة اليدين أو التأرجح

الاهتمام الشديد بموضوع أو لعبة بطريقة غير معتادة

الانزعاج الواضح من التغييرات البسيطة في الروتين

الحساسية الزائدة أو المنخفضة تجاه الأصوات أو الضوء أو اللمس

صعوبة اللعب التخيلي أو مشاركة الأطفال الآخرين في اللعب

وجود علامة واحدة لا يؤكد أن الطفل لديه توحد، فقد تنتج بعض الأعراض عن تأخر اللغة أو مشكلة في السمع أو اضطراب آخر. لذلك يجب تقييم الحالة بواسطة متخصص

كيف تُجرى فحوصات التوحد؟

تمر عملية فحص وتشخيص التوحد عادةً بعدة مراحل مترابطة

 متابعة النمو والتطور

يسأل الطبيب الوالدين عن مراحل نمو الطفل، مثل توقيت الجلوس والمشي والكلام، وطريقة اللعب والتواصل والاستجابة للآخرين. كما يهتم بمعرفة التاريخ الطبي والعائلي وأي فقدان سابق للمهارا

الفحص النمائي

يُستخدم الفحص النمائي للتعرف إلى الأطفال الذين قد يكون لديهم تأخر في إحدى المهارات. توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بإجراء فحص نمائي وسلوكي عام في زيارات عمر 9 و18 و30 شهرًا، إلى جانب الفحص المخصص للتوحد عند عمر 18 و24 شهرًا. مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها

قد تُستخدم استبيانات يجيب عنها الوالدان، مثل قائمة التحقق المعدلة للتوحد لدى الأطفال الصغار M-CHAT-R/F. لكن نتيجة الاستبيان لا تمثل تشخيصًا نهائيًا؛ فالنتيجة المرتفعة تعني أن الطفل يحتاج إلى تقييم أكثر تفصيلًا

التقييم التشخيصي المتخصص

يشمل التقييم مقابلة الوالدين وملاحظة الطفل أثناء اللعب والتفاعل. وقد يستخدم المتخصص أدوات منظمة، مثل جدول الملاحظة التشخيصية للتوحد ADOS-2 أو المقابلة التشخيصية ADI-R.

لا ينبغي الاعتماد على نتيجة أداة واحدة بصورة منفردة. يجمع الفريق بين الملاحظة المباشرة، والتاريخ النمائي، والمعلومات الواردة من الأسرة والمدرسة، والمعايير التشخيصية المعتمدة

 تقييم اللغة والتواصل

يقيّم أخصائي التخاطب قدرة الطفل على فهم الكلام، والتعبير عن احتياجاته، واستخدام الإشارات، وتبادل الحوار، والتواصل الاجتماعي. يساعد هذا التقييم على التمييز بين التوحد وتأخر اللغة أو اضطرابات النطق والتواصل الأخرى

تُجرى اختبارات مناسبة لعمر الطفل لتقييم التفكير والذاكرة وحل المشكلات والانتباه. كما تُفحص مهارات الحياة اليومية، مثل ارتداء الملابس وتناول الطعام والتعامل مع المواقف الاجتماعية تدخل تناسبه

 الفحص الطبي والسمع والبصر

قد يجري الطبيب فحصًا جسديًا وعصبيًا، مع اختبار السمع والبصر؛ لأن ضعف السمع قد يؤدي إلى تأخر الكلام أو عدم الاستجابة للاسم. وقد يوصي الطبيب بتحاليل جينية أو فحوصات أخرى إذا أشار التاريخ الطبي أو الفحص السريري إلى الحاجة إليها

لا توجد تحاليل دم أو أشعة أو مسوح للدماغ تستطيع وحدها إثبات إصابة الطفل بالتوحد

كيف تُشخّص صعوبات التعلم؟

يختلف تقييم صعوبات التعلم عن فحص التوحد، لأنه يركز بدرجة أكبر على الأداء الدراسي والعمليات المعرفية المرتبطة بالتعلم. ووفقًا للمعهد الوطني الأمريكي لصحة الطفل والتنمية البشرية، قد يشمل التشخيص الفحص الطبي، ومراجعة التاريخ النمائي والاجتماعي والدراسي، ومناقشة التاريخ العائلي، وإجراء اختبارات نفسية وأكاديمية. NICHD

تشمل مراحل التقييم ما يلي

مراجعة الأداء الدراسي

يجمع المتخصص معلومات عن مستوى الطفل في القراءة والكتابة والحساب، ودرجاته ومدى مشاركته داخل الفصل واستجابته للدعم التعليمي السابق. وقد يطلب الاطلاع على كراسات الطفل وتقارير المدرسة وملاحظات المعلمين

يجب كذلك مراعاة انتظام الحضور وجودة التعليم واللغة المستخدمة في التدريس، حتى لا تُفسّر الفجوات التعليمية باعتبارها صعوبة تعلم

اختبارات التحصيل الأكاديمي

تقيس هذه الاختبارات مستوى الطفل مقارنة بالمستوى المتوقع لعمره ومرحلته الدراسية. وقد تشمل دقة قراءة الكلمات، وسرعة القراءة، والفهم، والإملاء، والتعبير الكتابي، وفهم الأعداد وإجراء العمليات الحسابية

الاختبارات المعرفية والنفسية

تساعد هذه الاختبارات على فهم أسلوب الطفل في معالجة المعلومات، وقد تتناول الذاكرة العاملة، وسرعة المعالجة، والانتباه، والاستدلال اللفظي والبصري. ولا يعتمد تشخيص صعوبات التعلم على درجة الذكاء وحدها

تقييم اللغة والنطق

يمكن أن تؤثر مشكلات فهم اللغة أو التعبير بها في القراءة والكتابة. لذلك قد يحتاج الطفل إلى تقييم مهارات النطق، والوعي بأصوات الكلمات، والمفردات، وفهم التعليمات، وقدرته على التعبير الشفهي

تقييم الانتباه والحالة النفسية

قد تتشابه صعوبات التعلم مع أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، كما قد يتأثر الأداء الدراسي بالقلق أو الاكتئاب أو التنمر أو الضغوط الأسرية. لهذا يهتم التقييم الشامل بسلوك الطفل وحالته النفسية داخل المنزل والمدرسة

استبعاد المشكلات الطبية والحسية

يجب التأكد من سلامة السمع والبصر وعدم وجود مشكلة عصبية أو صحية تؤثر في التركيز والتعلم. ولا يعني استبعاد هذه الأسباب أن الطفل لا يواجه مشكلة حقيقية، بل يساعد على تحديد السبب بصورة أدق.

هل يمكن أن يجتمع التوحد وصعوبات التعلم؟

نعم، قد يعاني بعض الأطفال من اضطراب طيف التوحد وصعوبة محددة في القراءة أو الكتابة أو الحساب في الوقت نفسه. كما يمكن أن يكون الطفل المصاب بالتوحد متفوقًا في بعض المواد ويحتاج إلى دعم كبير في مواد أخرى

وفي المقابل، لا تعني صعوبة الطفل في التواصل أو الدراسة أنه مصاب تلقائيًا بالتوحد. قد يكون السبب تأخر اللغة، أو اضطراب الانتباه، أو ضعف السمع، أو صعوبة تعلم محددة. ولهذا توصي الإرشادات بإجراء التقييم بواسطة فريق متعدد التخصصات عندما تكون الحالة معقدة. المعهد الوطني للتميز في الصحة والرعاية NICE

من المتخصصون المشاركون في التقييم؟

قد يضم فريق التقييم طبيب الأطفال، أو طبيب النمو والسلوك، أو الطبيب النفسي للأطفال، أو الأخصائي النفسي، وأخصائي التخاطب واللغة، وأخصائي التربية الخاصة، وأحيانًا طبيب الأعصاب أو أخصائي العلاج الوظيفي

ماذا يحدث بعد ظهور النتائج؟

ينبغي أن يحصل الوالدان على تقرير واضح يشرح نتائج كل اختبار، ونقاط قوة الطفل، والجوانب التي تحتاج إلى دعم، والتوصيات المناسبة للمنزل والمدرسة

قد تتضمن خطة التدخل

تدريب المهارات الاجتماعية والحياتية

العلاج الوظيفي عند وجود صعوبات حسية أو حركية

برامج متخصصة للقراءة أو الكتابة أو الحساب

تكييفات مدرسية، مثل الوقت الإضافي وتقليل المشتتات

علاج المشكلات المصاحبة، مثل اضطراب الانتباه أو القلق

لا ينبغي تأخير الدعم التعليمي أو التخاطبي الضروري حتى انتهاء جميع الفحوصات إذا كانت احتياجات الطفل واضحة

كيفية الاستعداد لموعد التقييم

يمكن للوالدين مساعدة الفريق عن طريق تجهيز التقارير الطبية والمدرسية السابقة، وتدوين مراحل نمو الطفل والأعراض وموعد ظهورها، وإحضار أمثلة من كتابته وقراءته وواجباته. ومن المفيد أيضًا تسجيل الملاحظات الواردة من المعلمين، وكتابة قائمة بالأسئلة قبل الموعد

الخلاصة

تعتمد فحوصات التوحد وصعوبات التعلم على تقييم شامل، وليس على تحليل أو اختبار منفرد. ويساعد التشخيص المبكر والدقيق على فهم احتياجات الطفل، واختيار التدخلات المناسبة، وتعزيز قدرته على التواصل والتعلم والاستقلال

إذا لاحظ الوالدان تأخرًا في الكلام، أو ضعفًا في التفاعل الاجتماعي، أو صعوبات دراسية مستمرة، فمن الأفضل استشارة طبيب الأطفال أو أحد المتخصصين دون انتظار. فطلب التقييم لا يعني بالضرورة وجود اضطراب، لكنه خطوة مهمة للاطمئنان وتقديم المساندة المناسبة في الوقت الصحيح

Back to blog

Leave a comment

Please note, comments need to be approved before they are published.